فمن ذلك أنه كان معصوما في أقواله وأفعاله لا يجوز عليه التعمد ولا الخطأ الذي يتعلق بأداء الرسالة ولا يقر فيبقى عليه فلا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فلهذا قال كثير من العلماء لم يكن له الاجتهاد لأنه قادر على النص وقال آخرون بل له أن يجتهد ولكن لا يجوز عليه الخطأ وقال آخرون بل لا يقر عليه فعلى الأقوال كلها هو واجب لا يتصور استمرار الخطأ عليه بخلاف سائر أمته فإنه يجوز ذلك كله على كل منهم منفردا فأما إذا اجتمعوا كلهم على قول واحد فلا يجوز عليهم الخطأ كما تقدم ومن ذلك ما ذكره أبو العباس بن القاص أنه كلف وحده من العلم ما كلف الناس بأجمعهم واستشهد البيهقي على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم إذ أتيت بقدح فيه لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قالوا فما أولت ذلك يا رسول الله قال العلم رواه مسلم ومن ذلك أنه كان يرى ما يرى الناس حوله ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها هذا جبريل يقرأ عليك السلام فقالت عليه السلام يا رسول الله ترى ما نرى وعنها في حديث الكسوف الذي في الصحيحين والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وقال البيهقي حدثنا الحكم حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا عبيد بن موسى حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر رضي الله عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أتي على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها تئط ما فيه موضع قدر أصبع إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله والله لوددت أني شجرة تعضد رواه ابن ماجه قال البيهقي يقال إن قوله شجرة تعضد من قول أبي ذر والله أعلم ومن ذلك أن الله أمره أن يختار الآخرة على الأولى وكان يحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع به المترفون من أهل الدنيا ودليله من الكتاب العزيز ظاهر ومن ذلك أنه لم يكن له أن يعلم الشعر قال الله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي رواه أبو داود فلهذا قال أصحابنا كان يحرم عليه تعلم الشعر ومن ذلك أنه لم يكن يحسن الكتابة قالوا وقد كان يحرم عليه ذلك قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وقال تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون وقد زعم بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى تعلم الكتابة وهذا قول لا دليل عليه فهو مردود إلا ما رواه البيهقي من حديث أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن مجالد عن عون بن عبدالله عن أبيه قال لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ وقال مجالد فذكرت ذلك للشعبي فقال قد صدق سمعت من أصحابنا يذكرون ذلك ويحيى هذا ضعيف ومجالد فيه كلام وهكذا ادعى بعض علماء المغرب أنه كتب صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية فأنكر ذلك عليه أشد الإنكار وتبرئ من قائله على رؤوس المنابر وعملوا فيه الأشعار وقد غره في ذلك ما جاء في بعض روايات البخاري فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله وقد علم أن المقيد يقضي على المطلق ففي الرواية الأخرى فأمر عليا فكتب هذا ما قاضى عليه محمد ابن عبدالله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره فقد توترت عنه صلوات الله وسلامه عليه أن من كذب عليه متعمدا فليتبوأ مقعده من النار روي هذا الحديث من طريق نيف وثمانين صحابيا فهو في الصحيحين من حديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعند البخاري من رواية الزبير بن العوام وسلمة بن الأكوع وعبدالله بن عمروا ولفظه بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وفي مسند أحمد عن عثمان وعمر وأبي سعيد وواثلة بن الأسقع وزيد بن أرقم وعند الترمذي عن ابن مسعود ورواه ابن ماجه عن جابر وأبي قتادة وقد صنف فيه جماعة من الحفاظ كإبراهيم الحربي ويحيى بن صاعد والطبراني والبزار وابن مندة وغيرهم من المتقدمين وابن الجوزي ويوسف بن خليل من المتأخرين وصرح بتواتره ابن الصلاح والنووي وغيرهما من حفاظ الحديث وهو الحق فلهذا أجمع العلماء على كفر من كذب عليه متعمدا مستجيزا لذلك واختلفوا في المتعمد فقط فقال الشيخ أبو محمد يكفر أيضا وخالفه الجمهور ثم لو تاب فهل تقبل روايته على قولين فأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو بكر الحميدي قالوا لا تقبل لقوله صلى الله عليه وسلم إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار قالوا ومعلوم أن من كذب على غيره فقد أثم وفسق وكذلك الكذب عليه لكن من تاب من الكذب على غيره يقبل بالإجماع فينبغي أن لا تقبل رواية من كذب عليه فرقا بين الكذب عليه والكذب على غيره وأما الجمهور فقالوا تقبل روايته لأن قصارى ذلك أنه كفر ومن تاب من الكفر قبلت توبته وروايته وهذا هو الصحيح ومن ذلك أنه من رآه في المنام فقد رآه حقا كما جاء في الحديث فإن الشيطان لا يتمثل بي لكن بشرط أن يراه على صورته التي هي صورته في الحياة الدنيا كما رواه النسائي عن ابن عباس واتفقوا أن من نقل عنه حديثا في المنام أنه لا يعمل به لعدم الضبط في رواية الرائي فإن المنام محل تضعف فيه الروح وضبطها والله تعالى أعلم ومن ذلك ما ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه الكبير عن أبي عباس ابن القاص في قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك قال أبو العباس وليس كذلك غيره حتى يموت لقوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم قال البيهقي كذا قال أبو العباس وذهب غيره إلى أن المراد بهذا الخطاب غير النبي عليه الصلاة والسلام ثم المطلق محمول على المقيد انتهى كلامه قلت وهذا الفرع لم يكن إلى ذكره حادة لعدم الفائدة منه وما كان ينبغي أن يذكر لولا ما يتوهم من إسقاطه إسقاط غيره مما ذكروه وإلا فالضرب عن مثل هذا صفحا أولى والله أعلم ومن ذلك أنه لم يكن له خائنة الأعين أي أنه لم يكن له أن يومئ بطرفه خلاف ما يظهره كلامه فيكون من باب اللمز ومستند هذا قصة عبدالله بن سعد ابن أبي سرح حين كان قد أهدر صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح في جملة ما أهدر من الدماء فلما جاء به أخوة من الرضاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال يا رسول الله بايعه فتوقف صلى الله رجاء أن يقوم إليه رجل فيقتله ثم بايعه ثم قال لأصحابه أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد أمسكت يدي فيقتله فقالوا يا رسول الله هلا أومأت إلينا فقال إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين


